محمد بن جرير الطبري

169

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قولوا له : الله أعلى وأجل " . فقال أبو سفيان : موعدنا وموعدكم بدر الصغرى . ونام المسلمون وبهم الكلوم . قال عكرمة : وفيها أنزلت : إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ آل عمران : وفيهم أنزلت . إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً . حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ قال : ييجعون كما تيجعون . وقد ذكرنا عن بعضهم أنه كان يتأول قوله : وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وتخافون من الله ما لا يخافون ، من قول الله : قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ الجاثية : بمعنى : لا يخافون أيام الله . وغير معروف صرف الرجاء إلى معنى الخوف في كلام العرب ، إلا مع جحد سابق له ، كما قال جل ثناؤه : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً نوح : بمعنى : لا تخافون لله عظمة ، وكما قال الشاعر الهذلي : لا ترتجي حين تلاقي الذائدا * أسبعة لاقت معا أم واحدا وكما قال أبو ذؤيب : إذا لسعته النحل لم يرج لسعتها * وخالفها في بيت نوب عوامل وهي فيما بلغنا لغة أهل الحجاز ، يقولونها بمعنى : ما أبالي وما أحفل . القول في تأويل قوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً يعني بذلك جل ثناؤه : ولم يزل الله عليما بمصالح خلقه ، حكيما في تدبيره وتقديره ، ومن علمه أيها المؤمنون بمصالحكم عرفكم عند حضور صلاتكم ، وواجب فرض الله عليكم ، وأنتم مواقفو عدوكم ما يكون به وصولكم إلى أداء فرض الله عليكم ، والسلامة من عدوكم ومن حكمته بصركم بما فيه تأييدكم ، وتوهين كيد عدوكم . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً يعني جل ثناؤه بقوله : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ إنا أنزلنا إليك يا محمد الكتاب ، يعنى القرآن ، لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ لتقضي بين الناس ، فتفصل بينهم بِما أَراكَ اللَّهُ يعني : بما أنزل الله إليك من كتابه . وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً يقول : ولا تكن لمن خان مسلما أو معاهدا في نفسه أو ماله ، خصيما تخاصم عنه ، وتدفع عنه من طالبه بحقه الذي خانه فيه . وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ يا محمد وسله أن يصفح لك عن عقوبة ذنبك في مخاصمتك عن الخائن من خان مالا لغيره . إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً يقول : إن الله لم يزل يصفح عن ذنوب عباده المؤمنين بتركه عقوبتهم عليها ، إذا استغفروه منها ، رحيما بهم ، فافعل ذلك أنت يا محمد ، يغفر الله لك ما سلف من خصومتك عن هذا الخائن . وقد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن خاصم عن الخائن ، ولكنه هم بذلك ، فأمره الله بالاستغفار مما هم به من ذلك . وذكر أن الخائنين الذين عاتب الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم في خصومته عنهم بنو أبيرق . واختلف أهل التأويل في خيانته التي كانت منه فوصفه الله بها ، فقال بعضهم : كانت سرقة سرقها . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ إلى قوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فيما بين ذلك في طعمة بن أبيرق ودرعه من حديد التي سرق ، وقال أصحابه طعمة بن أبيرق من المؤمنين للنبي : اعذره في الناس بلسانك ورموا بالدرع رجلا من يهود بريئا . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه . حدثنا الحسن